محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

149

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

عن طريق النبي « * » . وفي مجموعة الآيات المعينة نكتشف نواة مؤلّفة من 13 آية ( الآيات 32 - 44 ) . وهي آيات تتحدث عن قصة ذلك الرجل الذي له جنّتان من أعناب . وعزّزت القصة بصورة الحياة الدنيا السريعة الزوال كزوال المطر النازل من السماء ( الآيتان 45 - 46 ) . 4 - ثم نعود لكي نلتقي من جديد بالخطاب السردي أو القصصي في الآيات من 60 إلى 98 . وهنا توجد حكايتان تستمدّان عناصرهما من مصدر مشترك هو : قصة الإسكندر المقدوني . وتعبّر عنهما الآية 83 وما بعدها حيث تقول : وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً . وهذه الوحدة السردية الطويلة نسبيا مستقلة عن بقية النصّ ( أو بقية السورة ) . وحده السجع المنتهي بحرف « ا » وبعض علامات التعبير تصلها به . 5 - ثم تنتهي السورة بالآيات 99 - 110 التي تعيدنا إلى ما سندعوه بالخطاب التبشيري « * * » . إذا ما وصفنا كل ما سبق بأنه عبارة عن مجرد تجاوز بين عبارات لغوية ومعنوية متبعثرة ، فإن ذلك يعني أننا نؤكّد ضمنيا على أولوية المعايير البلاغية والمنطقية . وهي معايير خاصة بتراث الكتابة المتفرّع عن أرسطو ، وكانت معروفة جيدا من قبل العرب المسلمين . وقد هيمنت هذه المعايير على كل تأليف أو تركيبة نصوصية . ولكننا سنحرص على عدم تأبيد هذا الحكم المسبق . وسنحاول بالأحرى أن نسدّ نواقص التحليل الفيلولوجي ( أي اللغوي - التاريخي ) على الطريقة الوضعية للقرن التاسع عشر . نقول ذلك على الرغم من أنه كانت لهذا التحليل الفيلولوجي ميزة فتح حقل كامل من حقول البحث والتحرّي . وهو حقل كان مرفوضا أو مجهولا من قبل روح الأرثوذكسية . سوف نركّز على المعطيات الخصوصية للخطاب القرآني من أجل طرح مسائل مطموسة من قبل المنهجيات الألسنية والسيميائية التي ظهرت حديثا . فقبل أن نطبّق هذه المنهجيات الحديثة على مقاطع مختارة من الآيات أو النصوص لكي نشغّل الآليّة التحليلية والجهاز المفهومي لهذه المدرسة الألسنية أو تلك ، فإنه ينبغي علينا أن نفكر بالرهانات

--> * نلاحظ أن أركون يفرز سورة الكهف إلى عدّة أجزاء متماسكة ، وكل جزء يتحدّث عن موضوع معيّن وتربطه بالتالي وحدة معنوية . فالآيات الثماني الأولى تعتبر مقدمة عامة ، ولكن لا علاقة لها بقصة أهل الكهف . والآيات التي تلتها ( من 9 إلى 26 ) هي التي تتحدث فعلا عن الموضوع المركزي للسورة ، أي قصة أهل الكهف . ثم تجيء مجموعة آيات ( من 27 إلى 59 ) لا علاقة لها بالقصة . وهي تعود للتحدث عن موضوعات عامة لا يملّ القرآن من تكرارها . وهي موضوعات عبادية ، ووعظية ، مليئة بالوعد للمؤمنين ، والوعيد للكافرين وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً . . . إلخ [ سورة الكهف ، الآية 27 ] . * * أي الخطاب الذي يبشّر بالدعوة ويتحدّث عن نفس الموضوعات باستمرار : المؤمنون ، الكافرون ، الجنة ، النار . . . إلخ .